صديق الحسيني القنوجي البخاري
175
فتح البيان في مقاصد القرآن
وتركوا الإسلام وهو دين اللّه الذي بعث به رسله ، وعن السدي وابن جريج نحوه . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 151 إلى 152 ] أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ أي الكاملون في الكفر حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حق ذلك حقا أو بمعنى كفرا حقا ، وقال أبو البقاء : كافرون من غير شك ، وقد طعن الواحدي في هذا التوجيه فقال الكفر لا يكون حقا بوجه من الوجوه ، والجواب أن الحق هنا ليس يراد به ما يقابل الباطل بل المراد أنه كائن لا محالة وأن كفرهم مقطوع به . وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه في الآخرة وهو عذاب النار ، وإنما أظهر في مقام الإضمار ذما لهم وتذكيرا لوصفهم أو المراد جميع الكافرين . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي من الرسل بل آمنوا بجميعهم ولم يقولوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، ودخول بَيْنَ على أحد لكونه عاما في المفرد مذكرا ومؤنثا ومثنّاهما وجمعهما ، وقد تقدم تحقيقه . أُولئِكَ يعني من هذه صفتهم سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ يعني جزاء إيمانهم باللّه وبجميع كتبه ورسله وثواب أعمالهم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يستر السيئات ويقبل الحسنات ، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة ممن آمن باللّه ورسله . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 153 إلى 154 ] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ( 153 ) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 154 ) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ هم اليهود سألوه صلى اللّه عليه وسلم أن يرقى إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتابا مكتوبا فيما يدعيه يدل على صدقه دفعة واحدة كما أتى موسى بالتوراة ، تعنتا منهم أبعدهم اللّه فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى سؤالا أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ السؤال فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أي عيانا ، وقد تقدم معناه في البقرة ، وجهر نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة . فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ هي النار التي نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم بِظُلْمِهِمْ في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عيانا في هذه الحالة ، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة ، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة ، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطا بينا .